ابن قيم الجوزية
456
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وليس المراد أيضا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية . فإن هذا مناف للعبودية من كل وجه . وإنما تستوي النعمة والبلية عنده في الرضى بهما لوجوه : أحدها : أنه مفوض . والمفوض راض بكل ما اختاره له من فوض إليه . ولا سيما إذا علم كمال حكمته ورحمته ، ولطفه وحسن اختياره له . الثاني : أنه جازم بأنه لا تبديل لكلمات اللّه ، ولا راد لحكمه . وأنه ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن . فهو يعلم أن كلا من البلية والنعمة بقضاء سابق ، وقدر حتم . الثالث : أنه عبد محض ، والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن ، بل يتلقاها كلها بالرضى به وعنه . الرابع : أنه محب ، والمحب الصادق : من رضي بما يعامله به حبيبه . الخامس : أنه جاهل بعواقب الأمور . وسيده أعلم بمصلحته وبما ينفعه . السادس : أنه لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ، ولو عرف أسبابها . فهو جاهل ظالم . وربه تعالى يريد مصلحته ، ويسوق إليه أسبابها . ومن أعظم أسبابها : ما يكرهه العبد ، فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب . قال اللّه تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) [ البقرة : 216 ] وقال تعالى : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [ النّساء : 19 ] . السابع : أنه مسلّم . والمسلم من قد سلّم نفسه للّه . ولم يعترض عليه في جريان أحكامه عليه ، ولم يسخط ذلك . الثامن : أنه عارف بربه ، حسن الظن به ، لا يتهمه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره ، فحسن ظنه به يوجب له استواء الحالات عنده ، ورضاه بما يختاره له سيده سبحانه . التاسع : أنه يعلم أن حظّه من المقدور ما يتلقاه به من رضى وسخط ، فلا بد له منه . فإن رضي فله الرضى ، وإن سخط فله السخط . العاشر : علمه بأنه إذا رضي انقلب في حقه نعمة ومنحة ، وخفّ عليه حمله ، وأعين عليه . وإذا سخطه تضاعف عليه ثقله وكلّه ، ولم يزدد إلا شدة ، فلو أن السخط يجدي عليه شيئا لكان له فيه راحة ، أنفع له من الرضى به . ونكتة المسألة : إيمانه بأن قضاء الرب تعالى خير له ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له . إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له . وليس ذلك إلا للمؤمن » . الحادي عشر : أن يعلم أن تمام عبوديته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه ، ولو لم يجر عليه منها إلا ما يحب لكان أبعد شيء عن عبودية ربه . فلا تتم له عبوديته - من الصبر ، والتوكل ، والرضى ، والتضرع ، والافتقار ، والذل ، والخضوع ، وغيرها - إلا بجريان القدر له بما يكرهه . وليس الشأن في الرضى بالقضاء الملائم للطبيعة . إنما الشأن في القضاء المؤلم المنافر للطبع .